الأحاديث الأربعون النووية
للإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي
الحديث الأول
عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) يقول: "إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت
هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو
امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجـر إليه". (رواه إماما المحدّثين: أبو عبد الله محمـد
بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي، وأبو الحسين مسلم بن
الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة).
شرح وفوائد الحديث
دل الحديث على أن النية معيار لتصحيح الأعمال ، فحيث صلحت النية صلح العمل ،
وحيث فسدت فسد العمل ، ، وإذا وجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال :
(الأول) : أن يفعل ذلك خوفاً من الله تعالى وهذه عبادة العبيد .
(الثاني): أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب وهذه عبادة التجار.
(الثالث): أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى وتأدية لحق العبودية وتأدية للشكر ،
ويرى نفسه مع ذلك مقصراً ، ويكون مع ذلك قلبه خائفاً لأنه لا يدري هل قبل عمله مع
ذلك أم لا ، وهذه عبادة الأحرار ، وإليها أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قالت
له عائشة رضي الله عنها حين قام من الليل حتى تورمت قدماه : يا رسول الله !
أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟قال : (أفلا أكون عبداً شكوراً ؟).
فإن قيل : هل الأفضل العبادة مع الخوف أو مع الرجاء ؟ . قيل : قال الغزالي رحمه الله تعالى :
العبادة مع الرجاء أفضل ، لأن الرجاء يورث المحبة ، والخوف يورث القنوط .
وهذه الأقسام الثلاثة في حق المخلصين ، واعلم أن الإخلاص قد يعرض له آفة العجب ،
فمن أعجب بعمله حبط عمله ، وكذلك من استكبر حبط عمله.
الحال الثاني : أن يفعل ذلك لطلب الدنيا والآخرة جميعها ، فذهب بعض أهل العلم إلى أن
عمله مردود واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم في الخبر الرباني:
((يقول الله تعالى : أنا أغنى الشركاء فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه )).
وسئل الشيخ عز الدين ابن عبد السلام : عمن صلى فطول صلاته من أجل الناس ؟ فقال :
أرجو أن لا يحبط عمله هذا كله إذا حصل التشريك في صفة العمل ، فإن حصل في أصل
العمل بأن صلى الفريضة من أجل الله تعالى والناس ، فلا تقبل صلاته لأجل التشريك في
أصل العمل ، وكما أن الرياء في العمل يكون في ترك العمل . قال الفضيل بن عياض: ترك
العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك ، والاخلاص ان يعافيك الله منهما .
ومعنى كلامه رحمه الله تعالى أن من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراها الناس ،
فهو مُراءٍ لأنه ترك العمل لأجل الناس ، أما لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب إلا
أن تكون فريضة ، أو زكاة واجبة ، أو يكون عالماً يقتدى به ، فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل ،
وكما أن الرياء محبط للعمل كذلك التسميع ، وهو أن يعمل لله في الخلوة ثم يحدث الناس بما
عمل ، قال صلى الله عليه وسلم: (( من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به )).
قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات )) أراد بها أعمال الطاعات دون
أعمال المباحات ، قال الحارث المحاسبي : الإخلاص لا يدخل في مباح ، لأنه لا يشتمل
على قربة ولا يؤدي إلى قربة ، كرفع البنيان لا لغرض الرعونة ، أما إذا كان لغرض
كالمساجد والقناطر والأربطة فيكون مستحباً . قال : ولا إخلاص في محرم ولا مكروه ،
كمن ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه ، ويزعم أنه ينظر إليه ليتفكر في صنع الله تعالى
، كالنظر إلى الأمرد ، وهذا لا إخلاص فيه بل لا قربة البتة ، قال : فالصدق في وصف العبد
في استواء السر والعلانية والظاهر والباطن ، والصدق يتحقق بتحقق جميع المقامات
والأحوال حتى إن الإخلاص يفتقر إلى الصدق ، والصدق لا يفتقر إلى شيء . لأن حقيقة
الإخلاص هو إرادة الله تعالى بالطاعة ، فقد يريد الله بالصلاة ولكنه غافل عن حضور القلب
فيها ، والصدق هو إرادة الله تعالى بالعبادة مع حضور القلب إليه ، فكل صادق مخلص ،
وليس كل مخلص صادقاً ، وهو معنى الاتصال والانفصال ، لأنه انفصل عن غير الله واتصل
بالحضور بالله ، وهو معنى التخلي عما سوى الله والتحلي بالحضور بين يدي الله سبحانه وتعالى .
واعلم أن النية لغة : القصد ، يقال نواك الله بخير : أي قصدك به . والنية شرعاً :
قصد الشيء مقترناً بفعله ، فإن قصد وتراخى عنه فهو عزم ، وشرعت النية لتمييز العادة
من العبادة أو لتمييز رتب العبادة بعضها عن بعض ، مثال الأول : الجلوس في المسجد قد
يقصد للاستراحة في العادة ، وقد يقصد للعبادة بنية الاعتكاف ، فالمميز بين العبادة والعادة
هو النية ، وكذلك الغسل : يقصد به تنظيف البدن في العادة ، وقد يقصد به العبادة فالمميز
هو النية وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الرجل يقاتل
رياء ويقاتل حمية ويقاتل شجاعة ، أي ذلك في سبيل الله تعالى ؟ فقال:
(( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى ))
ومثال الثاني وهو المميز رتب العبادة ، كمن صلى أربع ركعات قد يقصد إيقاعها عن
صلاة الظهر وقد يقصد إيقاعها عن السنن فالمميز هو النية ، وكذلك العتق قد يقصد
به الكفارة وقد يقصد به غيرها كالنذر ونحوه ، فالمميز هو النية .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم : (( وإنما لكل امرىء ما نوى )) دليل على أنه لا تجوز
النيابة في العبادات ، ولا التوكيل من نفس النية ، وقد استثني من ذلك تفرقة الزكاة وذبح
الأضحية ، فيجوز التوكيل فيهما في النية والذبح ، والتفرقة مع القدرة على النية .
وفي الحج : لا يجوز ذلك مع القدرة ودفع الدين ، أما اذا كان على جهة واحدة لم يحتج
إلى نية ، وإن كان على جهتين كمن عليه ألفان بأحدهما رهن فإدى ألفاً قال جعلته
عن ألف الرهن ، صدق ، فإن لم ينو شئياً حالة الدفع ، ثم نوى بعد ذلك ، وجعله
عما شاء وليس لنا نية تتأخر عن العمل وتصح إلا هنا .
قوله صلى الله عليه وسلم

( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ،
ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )).
أصل المهاجرة المجافاة والترك ، فاسم الهجرة يقع على رموز :
الأولى : هجرة الصحابة رضي الله عنهم من مكة إلى الحبشة حين آذى المشركون
رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ففروا منه إلى النجاشي ، وكانت هذه بعد البعثة
بخمس سنين ، قاله البيهقي .
الهجرة الثانية : من مكة إلى المدينة وكانت هذه بعد البعثة بثلاث عشرة سنة ،
وكان يجب على كل مسلم بمكة أن يهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة ، وأطلق جماعة أن الهجرة كانت واجبة من مكة إلى المدينة ،
وهذا ليس على إطلاقه فإنه لا خصوصية للمدينة ، وإنما الواجب الهجرة إلى
رسول الله صلى عليه وسلم قال ابن العربي :
قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض هرباً وطلباً ،
فالأول ينقسم إلى ستة أقسام :
(الأول): الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وهي باقية إلى يوم القيامة
(الثاني): الخروج من أرض البدعة ،
(الثالث) : الخروج من أرض يغلب عليها الحرام ، فإن طلب الحلال فريضة على كل مسلم .
(الرابع) : الفرار من الأذية في البدن ، وذلك فضل من الله تعالى أرخص فيه ،
(الخامس): الخروج خوف المرض في البلاد الوخمة ، إلى الأرض النزهة ،
(السادس): الخروج خوفاً من الأذية في المال ، فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه .
وأما قسم الطلب ، فإنه ينقسم إلى عشرة :
طلب دين وطلب دنيا ، وطلب الدين ينقسم إلى تسعة أنواع :
(الأول) سفر العبرة وقد طاف ذو القرنين في الدنيا ليرى عجائبها .
(الثاني) : سفر الحج .
(الثالث): سفر الجهاد.
(الرابع) : سفر العبرة المعاش.
(الخامس): سفر التجارة والكسب الزائد على القوت ،
(السادس) : طلب العلم .
(السابع) :قصد البقاع الشريفة ،
(الثامن) : قصد الثغور للرباط بها .
(التاسع): زيارة الإخوان في الله تعالى ،
الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعلموا الشرائع ويرجعوا إلى قومهم فيعلموهم .
الرابعة : هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه .
الخامسة : الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ،
السادسة : هجرة المسلم أخاه فوق ثلاثة ، بغير سبب شرعي ،
السابعة : هجرة الزوج الزوجة إذا تحقق نشوزها قال تعالى .
الثامنة : هجرة ما نهى الله عنه ، وهي أعم الهجر.
قوله صلى الله عليه وسلم : (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله )) :
أي نية وقصداً فهجرته إلى الله ورسوله حكماً وشرعاً.
الحديث الثاني
عن عمر (رضي الله عنه) أيضاً قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر،
ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه،
ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمّد أخبرني عن الإسلام؟! فقال رسول الله
(صلى الله عليه وسلم): "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله،
وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً"،
قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن
بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، قال:
فأخبرني عن أماراتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة
رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، ثم انطلق. فلبثت ملياً، ثم قال:
"يا عمر أ تدري من السائل؟" قلت: الله ورسوله أعلم، قال:
"فإنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم". (رواه مسلم)
شرح وفوائد الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم : أخبرني عن الإيمان : الإيمان في اللغة : هو مطلق التصديق ،
وفي الشرع : عبارة عن تصديق خاص ، وهو التصديق بالله ، وملائكته وكتبه ، ورسله ،
وباليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره . وأما الإسلام فهو عبارة عن فعل الواجبات،
وهو الانقياد إلى عمل الظاهر .
وقال تعالى : {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } [الشورى :52] أي الصلاة .
قوله صلى الله عليه وسلم : (( وتؤمن بالقدر خيره وشره )) بفتح الدال وسكونها لغتان ،
ومذهب أهل الحق : إثبات القدر ، ومعناه أن الله سبحانه وتعالى قدر الأشياء في القدم ،
وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى ،
وفي أمكنة معلومة وهي تقع على حسب ما قدره الله سبحانه وتعالى . واعلم
أن التقادير أربعة :
(الأول) التقدير في العلم ولهذا قيل : العناية قبل الولاية ، والسعادة قبل الولادة ،
واللواحق مبنية على السوابق
(الثاني) التقدير في اللوح المحفوظ ، وهذا التقدير يمكن أن يتغير قال الله تعالى :
{يمحو الله ما يشاءُ ويثبت وعنده أم الكتاب } [الرعد :39]
(الثالث) التقدير في الرحم ، وذلك أن الملك يؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد .
(الرابع ) التقدير وهو سوق المقادير إلى المواقيت ، قوله تعالى:{ إن المجرمين
في ضلال وَسُعُرُ * يوم يُسحَبون في النار على وجوهِهمْ ذوقوا مَسَّ سَقَر *
إنَّا كلَّ شي خلقناهُ بقَدَر ِ} [القمر 47-49]
وفي الحديث : (( إن الصدقة وصلة الرحم تدفع ميتة السوء وتقلبه سعادة )).
الحديث الثالث
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال:
سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "بني الإسلام على خمسٍ؛
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، و
حج البيت، وصوم رمضان". (رواه البخاري ومسلم)
شرح وفوائد الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم : (( بني الإسلام على خمس )) أي فمن أتى بهذه الخمس
فقد تم إسلامه ، كما أن البيت يتم بأركانه كذلك الإسلام يتم بأركانه وهي خمس ،
وهذا بناء معنوي شبه بالحسي ، ووجه الشبه أن البناء الحسي إذا انهدم بعض
أركانه لم يتم ، فكذلك البناء المعنوي ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :
(( الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الدين )) ،و كذلك يقاس البقية.
قوله صلى الله عليه وسلم: (( وحج البيت وصوم رمضان )). هكذا جاء في هذه الرواية
بتقديم الحج على الصوم ، وهذا من باب الترتيب في الذكر دون الحكم ، لأن صوم رمضان
وجب قبل الحج وقد جاء في الرواية الأخرى تقديم الصوم على الحج.
الحديث الرابع
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: حدّثنا رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن
أمه أربعين يوماً نطفةً ثم يكون علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل
إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكَتْب رزقه وأجله وعمله وشقي
أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحد كم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه
وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل
بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل
أهل الجنة فيدخلها". (رواه البخاري ومسلم)
شرح وفوائد الحديث
قوله : وهو الصادق المصدوق ، أي شهد الله له بأنه الصادق ،
والمصدوق بمعنى المصدق فيه.
قوله صلى الله عليه وسلم (( يجمع خلقه في بطن أمه )) يحتمل أن يراد أن يجمع
بين ماء الرجل والمرأة فيخلق منهما الولد كما قال الله تعالى :
{ خلق من ماء دافق * يَخْرُج من بين الصلب والترائب } [الطارق:6،7].
ولهذا قيل : السعادة قبل الولادة .
قوله صلى الله عليه وسلم : (( فيسبق عليه الكتاب )) أي الذي سبق في العلم ،
أو الذي سبق في اللوح المحفوظ ، أو الذي سبق في بطن الأم .
وقد تقدم أن المقادير أربعة .
قوله صلى الله عليه وسلم : (( حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع )) هو تمثيل وتقريب ،
والمراد قطعة من الزمان من آخر عمره وليس المراد حقيقة الذراع وتحديده من الزمان ،
فإن الكافر إذا قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم مات دخل الجنة ، والمسلم إذا تكلم
في آخر عمره بكلمة الكفر دخل النار .
الحديث الخامس
عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
(رواه البخاري ومسلم) وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
شرح وفوائد الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) أي مردود.
فيه دليل على أن العبادات من الغسل والوضوء والصوم والصلاة إذا فعلت على خلاف
الشرع تكون مردودة على فاعلها ، وأن المأخوذ بالعقد الفاسد يجب رده على صاحبه
ولا يملك ،وقال صلى الله عليه وسلم للذي قال له : إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى
بامرأته ، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاه ووليدة،
فقال صلى الله عليه وسلم : (( الوليدة والغنم ردّ عليك )) . وفيه دليل على أن
من ابتدع في الدين بدعة لا توافق الشرع فإثمها عليه ،و عمله مردود عليه
وإنه يستحق الوعيد ، وقد قال صلى عليه وسلم :
(( من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله )).
الحديث السادس
عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) يقول: "إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور
مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه،
ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه،
ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة
إذا صلحت صلح الجسد كله،
وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". (رواه البخاري ومسلم)
شرح وفوائد الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم : (( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات .... الخ ))
اختلف العلماء في حد الحلال والحرام ، فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى:
الحلال مادل الدليل على حله . وقال الشافعي رحمه الله : الحرام ما دل الدليل على تحريمه .
قوله صلى الله عليه وسلم

( وبينهما أمور مشتبهات )) أي بين الحلال والحرام أمور
مشتبهة بالحلال والحرام ، فحيث انتفت الكراهة وكان السؤال عنه بدعة .
وذلك إذا قدم غريب بمتاع يبيعه فلا يجب البحث عن ذلك ، بل ولا يستحب ،ويكره السؤال عنه .
وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف
مواقف التهم )).. وعن علي رضي الله عنه أنه قال : إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره ،
وإن كان عندك اعتذاره، فرب سامع نكراً لا تستطيع أن تسمعه عذراً.
الحديث السابع
عـن أبي رقية تميم بن أوس الداري (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:
"الدين النصيحة"، قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
(رواه مسلم)
شرح وفوائد الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم

( الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ))
قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له .
وقيل النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح
فيما يتحراه من صلاح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه
من صلاح المنصوح له بما يسد من خلل الثوب ، وقيل : إنها مأخوذة من نصحت العسل ،
إذا صفيته من الشمع ، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط .
قال الخطابي : ومن النصيحة لهم ، الصلاة خلفهم ، والجهاد معهم ، وأداء الصدقات إليهم
وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة ، وأن لا يغروا بالثناء
الكاذب عليهم ، وأن يدعى لهم بالصلاح .
الحديث الثامن
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "أمرت أن أقاتل الناس
حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة،
فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى".
(رواه البخاري ومسلم)
شرح وفوائد الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم

( أمرت إلخ.. )) فيه دليل على أن مطلق الأمر وصيغته تدل
على الوجوب.
قوله صلى الله عليه وسلم

(فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم )) ،
فإن قيل : فالصوم من أركان الإسلام وكذلك الحج ولم يذكرهما ، فجوابه :
أن الصوم لا يقاتل الإنسان عليه بل يحبس ويمنع الطعام والشراب ،
والحج على التراخي، فلايقاتل عليه ، وإنما ذكر رسول الله صلى عليه وسلم
هذه الثلاثة لأنه يقاتل على تركها ولهذا لم يذكر الصوم والحج لمعاذ حين بعثه إلى اليمن ،
بل ذكر هذه الثلاثة ، خاصة ..
الحديث التاسع
عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه
ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم".
(رواه البخاري ومسلم)
شرح وفوائد الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه )) أي اجتنبوه جملة واحدة لا تفعلوه
ولا شيئاً منه ، وهذا محموله على نهي التحريم ، فأما نهي الكراهة فيجوز فعله ،
وأصل النهي في اللغة : المنع .
قوله صلى الله عليه وسلم : (( وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم )) فيه مسائل :
منها إذا وجد ماء للوضوء لا يكفيه فالأظهر وجوب استعماله ثم يتيمم للباقي .
ومنها إذا وجد بعض الصاع في الفطرة فإنه يجب إخراجه . ومنها إذا وجد بعض
ما يكفي لنفقة القريب أو الزوجة أو البهيمة فإنه يجب بذله . وهذا بخلاف ما اذا
وجد بعض الرقبة فإنه لا يجب عتقه عن الكفارة ، لأن الكفارة لها بدل وهو الصوم .
اعلم ان السؤال على أقسام :
القسم الأول : سؤال الجاهل عن فرائض الدين كالوضوء والصلاة والصوم ،
وعن أحكام المعاملة ونحو ذلك .
والقسم الثاني: السؤال عن التفقه في الدين سبحانه وتعالى :
{ فلولا نفر َ مِنْ كُلَّ فرقةٍ منهم طائفة ، ليتفقهوا في الدين ولِينذِروا قومَهُمْ إذا
رَجَعوا إليهم لعلهم يَحذَرون } [التوبة:122].
القسم الثالث : أن يسأل عن شيء لم يوجبه الله عليه ، ولا على غيره ،
وعلى هذا حمل الحديث لأنه قد يكون في السؤال ترتب مشقة بسبب تكليف يحصل
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : (( وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تسألوا عنها )) .
وعن علي رضي الله عنه لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ً}.
[آل عمران :97].
الحديث العاشر
عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :
"إن الله تعـالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين
فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً)، وقال تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث
أغبر يمد يديه إلى السماء: يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام،
وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟". (رواه مسلم)
شرح وفوائد الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم

( إن الله تعالى طيب )) ، عن عائشة رضي الله عنها قالت :
سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول :
(( اللهم إني أسألك باسمك المطهر الطاهر ، الطيب المبارك الأحب إليك الذي
إذا دعيت به أجبت ، وإذا سئلت به أعطيت ، وإذا استرحمت به رحمت ،
واذا استفرجت به فرجت )) ، ومعنى الطيب : المنزه عن النقائص والخبائث ،
فيكون بمعنى القدوس وقيل طيب الثناء ومسلتذ الأسماء عند العارفين بها :
وهو طيب عباده لدخول الجنة بالإعمال الصالحة وطيبها لهم ، والكلمة الطيبة : لا إله إلا الله .
قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يقبل إلا طيباً )) أي فلا يتقرب إليه بصدقة حرام ، ويكره التصدق بالرديء من الطعام كالحب العتيق المسوس .
في الحديث دليل على أن الشخص يثاب على ما يأكله إذا قصد به التقوي على الطاعة
أو إحياء نفسه ،و ذلك من الواجبات ، بخلاف ما إذا أكل لمجرد الشهوة والتنعم .
قوله : ((فأنى يستجاب له )) أي استبعاداُ لقبوله إجابة الدعاء ،و لهذا شرط العبادي
لقبول الدعاء أكل الحلال ، والصحيح أن ذلك ليس بشرط فقد استجاب لشر خلقه
إبليس فقال :{إنك من المنظرين } [الأعراف:15].
يتبع